إطاحة الدولار عن عرشه

إطاحة الدولار عن عرشه
– المرحلة الثانية من الأزمة المالية 2008
الجزء الأول
الأربعاء, 30 مارس 2011 الساعة 09:27
د. زياد ملاعب مستشار إحصاءات وعلم المخاطر

أسفرت الأزمة المالية التي بدأت في العام 2008 عن تراجع اقتصادي واسع النطاق وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات حادة في الكثير من البلدان، ولا سيما في دول منطقة الشرق الأوسط، في حين أن الارتفاع الحاد في أسعار السلع الغذائية الأساسية والضروريات الحياتية الأخرى لم يتوقف بعد عن مسيرته الطويلة.
كما أننا بدأنا للتو برؤية الآثار المترتبة على الأزمة التي باتت تكشف عن نفسها على شكل المظاهرات في الشوارع والأوضاع الاقتصادية البعيدة عن أي تحسن يذكر، كما ترتفع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية بصورة مستمرة لترتفع معها تكاليف الضروريات الغذائية الأساسية، ولتقفز معدلات البطالة بالتوازي مع ذلك في الكثير من البلدان.
وبات الغموض يلف المستقبل الاقتصادي والمالي للكثيرين من الناس حول العالم.
وتؤثر الأزمات الاقتصادية والمالية المختلفة في الدول بشكل مختلف.
ومن الواضح أن أزمة العام 2008 قد تركت تأثيراً كبيراً على دول كثيرة في منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى غيرها، في حين تم استيعاب هذه التأثيرات في الولايات المتحدة في الوقت الراهن على الأقل.
ولكن في الوقت الذي بدأت فيه ملامح المرحلة الثانية من هذه الأزمات تلوح في الأفق، لن ينجو أي بلد من تبعاتها، بل إن جميع الدول سوف تتأثر، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية.
وبما أن الأمور باتت سيئة جداً في الوقت الراهن، ستكون هناك أزمة أكبر وأخطر من الأزمات المالية في العام 2008، ومن المحتمل أن نشهد ما هو أسوأ في قادم الأيام.
وبما أن هذه الأزمة التي نحن في صدد الحديث عنها مرتبطة بالأزمة المالية للعام 2008، فإنه يحلو لنا أن نطلق عليها المرحلة الثانية من هذه الأزمة.
ونعتقد أن هذه الأزمة التي تلوح في الأفق الآن ستضرب في وقت أقرب مما كان متوقعاً، وربما في غضون 15 شهراً من الآن، وستكلف الولايات المتحدة على وجه الخصوص ثمناً باهظاً جداً عندما ستضطر إلى تغيير طريقة الحياة الأمريكية التي تميزها عن غيرها من الدول.
إن الأزمة التي نتحدث عنها هنا تتمثل في إطاحة الدولار الأمريكي عن عرشه بصفته عملة الاحتياط العالمية، وهو حدث نعتقد أنه سيقع لا محالة ويدعم ذلك اليقين الرياضي.
أما السبب الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الدولار سيفقد مكانته كعملة احتياط عالمية، إنما يعود إلى الأعباء المالية الهائلة التي نتجت عن انهيار المؤسسات المالية الأمريكية العملاقة، مثل «فاني ماي» و «فريدي ماك» و«بير ستيرنز» وبنك «ليمان براذرز» و«جنرال موتورز»، إلى جانب مؤسسات أخرى كثيرة لم تختف في الواقع، وإنما تم نقلها إلى وزارة الخزانة الأمريكية وحكومة الولايات المتحدة.
وربما يكون من المهم على الدرجة نفس أن نشير إلى الممارسات المحاسبية والمشاكل المالية التي أدت إلى انهيارها، والتي لا تزال موجودة حتى يومنا هذا في معظم المؤسسات المصرفية والمالية المتبقية.
إننا ندرك على وجه اليقين أن الديون لم يتم شطبها، لكن ما حدث ببساطة أنه تم نقلها ليتحمل أعباءها مواطنو الدول حول العالم.
ويبين التاريخ لنا أن عمليات الإنقاذ الحكومية كانت لها عواقب كبيرة، وعلى وجه التحديد ارتفاع الرسوم وزيادة أسعار السلع والمواد الغذائية والتضخم وانخفاض مكاسب العملة وانخفاض مستوى المعيشة بين عامة الناس، رجالاً ونساءً.
وبعد الأزمة المالية للعام 2008، فقد تم استيعاب ديون هائلة من جانب الحكومات في كل مكان حول العالم، وأطلقت عمليات الإنقاذ الحكومية للعديد من البنوك والمؤسسات المالية.
وهكذا.. فإن الأزمة المالية للعام 2008 التي تعد بحق أعظم أزمة مالية في تاريخ البشرية، لم تنته بالفعل حتى الآن.
ونعتقد أن المرحلة التالية لها ستؤدي إلى إطاحة الدولار الأمريكي عن عرشه العالمي، ومن المتوقع أن نرى هذه النتيجة في وقت أقرب بكثير مما نتوقع.
وإذا حدث ذلك، سيكون هناك زلزال مالي كبير، وعلى نحو يفوق حجم الأزمة المالية في العام 2008 بأضعاف عديدة.

ولا يمكننا بأي حال توضيح مسألة إقصاء الدولار الأمريكي عن مكانته كعملة احتياط عالمية والإحاطة بجميع الجوانب المتعلقة بهذه المسألة في مقال قصير واحد.
وفي مقالاتنا اللاحقة سوف نضع هذه المسألة في منظور أوسع للتركيز فقط على عواقبها المالية وليس السياسية ( التي هي نفسها يمكن أن تكون كبيرة جداً ).
وسنتطرق أيضاً إلى أهمية صفة عملة الاحتياط العالمية بالنسبة إلى الدولار الأمريكي، والنتائج التي قد تترتب على الدولار عندما يخسر هذه الصفة. وسنفسر أيضاً السبب الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الدولار لن يكون عملة الاحتياطي في العالم عاجلاً وليس آجلاً، وكيفية تأثير ذلك مباشرة على حسابات التوفير والمنتجات الاستثمارية، إضافة إلى تأثيره على تقاعد كل واحد من الأمريكيين (والكثيرين خارج الولايات المتحدة أيضاً) بطريقة حاسمة ربما تهدد بمحو مدخراتهم وما تخلقه من تبعات سيئة على طريقة حياتهم.
ويمكن القول باختصار
إن خلع الدولار الأمريكي عن مكانته كعملة احتياط عالمية سيكون له عواقب شديدة من الناحيتين الاقتصادية والمالية، وسيكون من أقل تأثيرات هذا الوضع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم أو حتى وقوع التضخم المفرط والفوضى المالية والمصرفية التي أدت إلى انهيار العديد من البنوك الكبيرة والمؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة.
ولا يعرف معظم الأمريكيين ماذا سيفعلون عندما ترتفع أسعار السلع الأساسية، مثل الخبز والحليب والبنزين بسرعة صاروخية وعلى نحو مفاجئ، أو عندما تغلق البنوك التي يتعاملون معها، أو عندما لا يتمكنون من الحصول على المال من بطاقات الائتمان الخاصة بهم ومن أجهزة الصراف الآلي.
وستتأثر طريقة حياتهم الراهنة كثيراً، بل إنها ربما تتغير إلى الأبد.

مرة أخرى، سنتعرض لهذه المسألة في مقالنا اللاحق وربما في المقالين المقبلين،
وسنتطرق عند ذلك للعواقب المترتبة على إطاحة الدولار الأمريكي عن عرشه بصفته عملة احتياط عالمية بتفصيل أكبر.
وسنقوم أيضاً بمناقشة الطرق التي يتعين علينا اتباعها استعداداً لهذه الأزمة للتخفيف من آثاره.
أما الآن،
ينبغي علينا التعامل مع هذه الأزمة التي تتلبد غيومها الداكنة في الأفق، دلالة على أن حدوثها قد بات وشيكاً، ما يحتم علينا الاستعداد لها على أفضل وجه ممكن وليس مثل الآخرين الذين قد لا يرون أي دليل على ما يجري من حولهم في أسواق المال العالمية.
إن هذه المسألة لن تكون حساسة فقط، ولكنها ربما تشكل فرصة لصنع المال أيضاً.
لذا يتعين على المستثمرين البقاء على يقظة تامة.

للتواصل مع الكاتب:

z.malaeb@alrroya.com

شارك في كتابة المقال البروفيسور بروس بوجيسيك
http://alrroya.com/node/125433

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: